أرض الحكايات
في أحدث حلقاتنا بالتعاون مع "وارنر برذرز ديسكفري"، نستكشف المشاهد الطبيعية العريقة في وجهة "البحر الأحمر" لنكشف عن قصص نُقشت في الصخر وتناقلتها الأجيال عبر الزمن. ومن خلال جهود علماء الآثار ومختصي البيئة، تتجلّى لنا جهود "البحر الأحمر الدولية" في صون التراث الثقافي للسعودية، وحماية المواقع الأثرية، مع دمجها بعناية في تجارب ثرية وملهمة للزوّار.
كشفت التنقيبات الأثرية في وجهة "البحر الأحمر" عن مئات المواقع التي توثق تاريخاً غنياً وتراثاً إنسانياً ممتداً.
كشفت التنقيبات الأثرية في وجهة "البحر الأحمر" عن مئات المواقع التي توثق تاريخاً غنياً وتراثاً إنسانياً ممتداً.
ربى فرخ توظف أجهزة المسح لدراسة التضاريس وتوثيق ملاحظاتها الميدانية بدقة.
ربى فرخ توظف أجهزة المسح لدراسة التضاريس وتوثيق ملاحظاتها الميدانية بدقة.
فيصل الحمود يستكشف المسار من إطلالة مرتفعة تشرف على أرجاء الوادي.
فيصل الحمود يستكشف المسار من إطلالة مرتفعة تشرف على أرجاء الوادي.
أسهم عبور الإنسان على مر العصور في رسم ملامح مناطق البحر الأحمر، فقبل ظهور الحدود الحديثة بزمن طويل، كانت هذه المنطقة من المملكة عبارةً عن بوابة تربط بين الثقافات عبر طرق تجارية امتدت على طول الساحل وتوغلت عميقاً في الداخل.
يقول علي الغبان، عالم الآثار وعضو مجلس الشورى: "في الماضي، كان يُعتقد أنه لا يوجد شيء في الجزيرة العربية غير الصحراء. لكن اليوم، القصة مختلفة تمامًا".
وأضاف الغبان: "كانت هذه المنطقة طريقًا للتجارة الدولية وعاش فيها كثير من الناس خاصةً على طول الساحل، حيث كانت للموانئ والمسارات البحرية أهمية كبيرة".
إن الاكتشافات الأثرية المتواصلة في جميع أنحاء وجهة "البحر الأحمر" تعيد صياغة هذه الرواية، فقد كشفت أعمال المسح عن مئات المواقع، من بينها منشآت حجرية ومستوطَنات يعود تاريخها إلى آلاف السنين. وتشير هذه المكتشفات مجتمعة إلى منطقة كانت ولا تزال نابضة بالحياة، سكنتها مجتمعات لعبت دورًا مهمًا في التجارة الساحلية والبحرية.
وعلى طريق الحج الساحلي، وهو مسار قديم يعود إلى بدايات العصر الإسلامي، يتم العمل على كشف هذه القصص العريقة بدقة شديدة وعناية فائقة، حيث تقوم ربى فرخ، مديرة في إدارة التقييم البيئي في "البحر الأحمر الدولية"، بتجهيز معدات المسح على امتداد هذا الطريق، مثبّتةً جهاز الرصد على الحامل الثلاثي بما يتوافق مع الطبيعة من حوله، وتنظر عبر العدسة لتدرس التضاريس وتدوّن ملاحظاتها لترسم من خلالها صورة تفصيلية للموقع تدريجياً.
وبالقرب منها، يقوم فيصل الحمود، مدير في إدارة البيئة والاستدامة، بمسح المسار من نقطة مرتفعة تُطل على الوادي. ومن هذا الموقع، تتجلى أهمية الطريق بوضوح. فقد كان هذا الوادي يومًا ما دليلاً يوجّه التجار والمسافرين والحجاج عبر المنطقة، مُشكّلًا حركة التنقل عبر الأجيال. يتتبع فيصل مسار الطريق عبر الأرض، قارئًا التضاريس كسجل لحياة من عبروه في زمن مضى.
يوضّح فيصل قائلاً: "عندما تصل إلى موقع ذي أهمية ثقافية، تبدأ أولاً بفهم السياق. تحاول استيعاب المكان، ثم تنظر إلى ما تبقى. ومن هنا، تبدأ في سرد قصة الناس الذين عاشوا هنا".
وتستمر القصة في قرية العين، وهي مستوطنة يعود تاريخها إلى نحو 300 عام، حيث تتناثر كِسر الفخار على سطح الأرض. يتفحّص فيصل هذه القطع عن كثب، فهي بقايا صغيرة تكشف ملامح الحياة اليومية لمجتمع ازدهر يومًا في هذه البيئة. تضيف كل قطعة طبقة جديدة إلى فصل أحدث من التاريخ الإنساني الطويل للمنطقة.
ويُعد الحفاظ على هذه الشواهد ركيزةً أساسية في عمل "البحر الأحمر الدولية"، وتقول ربى: "نطمح إلى توثيق كلّ موقع أثري ضمن وجهاتنا الرئيسية، لأننا نريد لهذه الأماكن أن تستمر وتدوم".
ويتم تنفيذ هذا العمل بالتعاون مع هيئة التراث وكبار الخبراء السعوديين، لضمان دراسة كل موقع وحمايته وتفسيره وفق أعلى المعايير العلمية الأكاديمية وبحسّ ثقافي عال. وتسهم هذه الشراكات في دمج المعرفة التاريخية العميقة مع المسؤولية الوطنية، بما يحقق التوازن بين التطوير والحفاظ طويل الأمد.
وتقود أعمال الفريق إلى أطلال قلعة الفرع، وهو موقع تأثر بكل من الحقبتين النبطية والإسلامية. تتحرك رُبى وفيصل بحذر بين الجدران الحجرية المتبقية، فيدرسان شكل البناء وموقعه، ويتأملان دوره ضمن شبكة الطرق الأوسع والمستوطنات التي شكّلت هوية المنطقة عبر العصور.
وبالنسبة لرُبى، تتجاوز هذه المسؤولية حدود التوثيق. حيث تقول: "هذه الأرض غنية بالقصص التي أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني، وإذا أحسنّا تفعيل هذه المواقع كجزء من تجاربنا للزوار، فإنّ هذه القصص ستخلّد وتسافر معهم".
وتضيف قائلةً: "إن دور "البحر الأحمر الدولية" لا يقتصر على تطوير الوجهات، بل يشمل أيضًا حفظ قصص المكان ونقلها إلى الأجيال القادمة. إذا كانت هذه أرضك، فأرني قصصك
ومن خلال البحث الدقيق والإدارة طويلة المدى بالشراكة مع المؤسسات الوطنية وأبرز الخبراء، تتحول وجهة "البحر الأحمر" إلى نموذج يجمع بين صون التراث الثقافي ودعم تنويع الاقتصاد وبناء القدرات السعودية بما يواكب طموحات المملكة في رسم ملامح الفصل القادم من قطاع السياحة.
تعد قرية "العين" تجمعاً سكانياً يعود تاريخه إلى نحو 300 عام.
تعد قرية "العين" تجمعاً سكانياً يعود تاريخه إلى نحو 300 عام.
فيصل وربى يوثقان أطلال قلعة "الفرع"؛ أحد المواقع التاريخية الشاهدة على العصرين النبطي والإسلامي.
فيصل وربى يوثقان أطلال قلعة "الفرع"؛ أحد المواقع التاريخية الشاهدة على العصرين النبطي والإسلامي.
يتجاوز دور "البحر الأحمر الدولية" حدود البناء والتطوير؛ ليعنى بحماية إرث المكان وقصصه، وضمان انتقالها بكل أمانة إلى الأجيال القادمة.
يتجاوز دور "البحر الأحمر الدولية" حدود البناء والتطوير؛ ليعنى بحماية إرث المكان وقصصه، وضمان انتقالها بكل أمانة إلى الأجيال القادمة.
"إنّ دورنا يتجاوز كوننا مطورين. فنحن نُخلّد قصص المنطقة وننقلها إلى الأجيال القادمة".
